إذا طاب الخاطر انتهى العتاب
هناك مرحلة لا يصل إليها الإنسان بسهولة، مرحلة لا يعود فيها غاضباً، ولا ينتظر اعتذاراً، ولا يبحث عن تفسير، ولا يملك حتى الرغبة في أن يسأل: لماذا فعلت بي كل هذا؟
مرحلة يصبح فيها الصمت أصدق من ألف عتاب، والابتعاد أرحم من ألف مواجهة ، وأنا اليوم وصلت إليها.
كنت أعاتبك لأنك كنتِ تعنين لي الكثير، لأن العتاب لم يكن يوماً كراهية، بل كان آخر محاولاتي للحفاظ على شيءٍ كنت أظنه يستحق البقاء، كنت أعاتب لأنني كنت أريد منك أن تفهمي أين أوجعتني، وأين خذلتني، وكيف استطعتِ أن تكسري قلباً لم يكن يريد منك سوى أن تكوني مختلفة عن الآخرين.
لكنني اليوم لا أريد أن أعاتبك، ليس لأن ما فعلتِه أصبح بسيطاً، ولا لأنني نسيت، ولا لأن الجرح لم يعد موجوداً، بل لأن خاطري طاب منك، ولأنني أدركت أن بعض الأشياء حين تنكسر كثيراً، لا تعود تنتظر من أحد أن يصلحها.
إذا طاب الخاطر… انتهى العتاب.
وأسوأ ما في الخذلان ليس أن يأتيك من شخص عابر، فالناس الذين لا ننتظر منهم شيئاً لا يستطيعون أن يهدموا فينا الكثير، الخذلان الحقيقي أن يأتيك ممن وثقت به.
ممن وضعت أمامه قلبك بلا خوف، وحكيت له عن جراحك القديمة، وأخبرته عن الذين خذلوك قبله، ثم اطمأننت لأنك كنت تظنه مختلفاً عنهم.
كنت تقول في داخلك : هذا لن يفعلها.
ثم يفعلها.
وربما يفعل ما هو أقسى مما فعله الآخرون.
وهنا لا يؤلمك الموقف وحده، بل يؤلمك أنك أخطأت في الشخص الذي ظننت أنك لن تخطئ فيه أبداً.
كنت أتوقع منك أن تكوني غير البقية، ولذلك كان وجعك مختلفاً عن البقية.
لم أكن أحتاج منك المستحيل، كنت أريد فقط ألا تهون عليك العِشرة، وألا يصبح كل ما كان بيننا شيئاً يمكن تجاوزه بهذه السهولة، كنت أريد أن أتذكر، كلما ضاقت بي الدنيا، أن هناك شخصاً يعرف قيمتي ولن يكون يوماً سبباً في كسرتي، لكن المؤلم أنك أصبحتِ الكسرة نفسها.
خذلتِني في المكان الذي وثقت بك فيه، وكسرتِني في الوقت الذي كنت أظنك فيه سنداً، وطعنتِ شعوراً كان مطمئناً لك أكثر مما كان مطمئناً لأي أحد.
وكنت أعاتب… مرة لأنني أحببت، ومرة لأنني كنت أريد إنقاذ ما بقي، ومرة لأنني لم أستوعب كيف تهون سنوات العِشرة، ومرة لأن جزءاً مني كان لا يزال ينتظر منك موقفاً يعيد للأشياء معناها.
لكن كثرة العتاب تتعب القلب….
يأتي يوم تدرك فيه أنك شرحت وجعك بما يكفي، وأن من أراد أن يفهمك كان سيفهمك من المرة الأولى، وأن الذي رأى كسرتك واستمر فيما يكسرك، لن تغيّره الكلمات مهما كانت صادقة، ومن هنا يبدأ الصمت.
ليس صمت الضعيف، ولا صمت الذي لا يملك ما يقوله، بل صمت إنسان قال كل شيء ولم يعد يرى فائدة من المزيد.
اليوم لو سألتِني : لماذا لم تعد تعاتبني؟
سأقول لك ببساطة : لأنني حين كنت أعاتبك، كنت أخاف خسارتك… أما اليوم فقد خسرت في داخلي شيئاً أكبر من وجودك، خسرت الصورة الجميلة التي كنت أحملها عنك.
وهذه خسارة لا يصلحها اعتذار متأخر، أنا لا أعاتب من هانت عليه العِشرة، ولا أعاتب من رأى حزني واختار أن يزيده، ولا أعاتب من عرف مكان الجرح ثم أصابني فيه.
فالعتاب مكانة، وأنا كنت أعطيك تلك المكانة في كل مرة أعود فيها لأشرح لك ألمي.
كنت أقول لك بطريقة غير مباشرة : ما زلتِ مهمة، ولذلك يؤلمني ما تفعلين.
أما الآن، فلا أريد تفسيراً ، ولا تبريراً.
ولا أريد أن أعرف لماذا تغيرتِ، ولا لماذا اخترتِ الخذلان، ولا كيف استطعتِ أن تتجاوزي كل ما كان بيننا.
بعض الأسئلة حين تتأخر إجاباتها، تفقد أهميتها.
وبعض الاعتذارات حين تأتي بعد موت الشعور، لا تحيي شيئاً.
لقد تعلمت أن الكرامة ليست أن تنتصر في آخر نقاش، بل أن تعرف متى تتوقف عن النقاش أصلاً .
وأن القوة ليست في أن تجعل من خذلك يشعر بحجم خسارته، بل أن تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها أن يشعر بشيء.
يكفي أنك عرفت الحقيقة، ويكفي أنك رأيت الوجه الذي كنت ترفض تصديقه ، ويكفي أن المواقف قالت ما عجزت الكلمات طويلاً عن قوله.
الخاتمة :
اليوم لا أحمل لك عتاباً، رغم أن في الذاكرة أشياء كثيرة كان يمكن أن أعاتبك عليها، لا أعاتبك على الخذلان، ولا على الكسرة، ولا على العِشرة التي هانت، ولا حتى على تلك اللحظة التي اكتشفت فيها أن الشخص الذي ظننته مختلفاً كان قادراً أن يوجعني أكثر من الجميع.
انتهى العتاب لأنني تعبت من شرح وجعٍ كان واضحاً.
وانتهى لأنني أدركت أن من يعرف قيمتي لا يحتاج إلى أن أذكّره بها، ومن يعرف مقدار محبتي ثم يختار كسري، لن تعيده الكلمات إلى المكان الذي كان فيه.
فلا تنتظري مني عتاباً جديداً…
لقد قلت ما يكفي، وصبرت بما يكفي، وانتظرت بما يكفي ، وإن رأيتِني يوماً هادئاً أمام كل ما حدث، فلا تظني أنني نسيت.
أنا فقط تجاوزت مرحلة السؤال: لماذا فعلتِ بي ذلك؟
ووصلت إلى مرحلة أكثر هدوءاً : فعلتِ ما اخترتِ أن تفعليه، وأنا اخترت أن أحفظ ما بقي مني وأمضي.
فالعتاب كان دليل محبة، والغضب كان دليل اهتمام، وكثرة الأسئلة كانت تعني أنني ما زلت أبحث عن سبب للبقاء.
أما هذا الصمت… فهو شيء آخر تماماً .
إذا طاب الخاطر، لا يعود القلب يطالب باعتذار، ولا ينتظر تفسيراً، ولا يطرق باباً أُغلق في وجهه كثيراً .
إذا طاب الخاطر… انتهى العتاب، وبدأ الرحيل الحقيقي.
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليق لو أحببت