اتّقِ شرّ الحنون إذا قسى

اتّقِ شرّ الحنون إذا قسى


يظن البعض أن الإنسان الحنون لا يتغير ، وأن من اعتاد العطاء سيبقى يعطي مهما حدث ، وأن القلب الذي يسامح مرة… سيسامح ألف مرة.

لكن ما لا يفهمه الكثير ، أن أكثر الناس قدرة على الحب ، هم أكثرهم قابلية للانكسار حين يُخذلون من الشخص الذي أحبّوه بصدق .

فالحنون لا يقسو من موقف عابر ، ولا يتبدل بسبب سوء تفاهم بسيط ، بل يصل إلى مرحلة من التعب تجعله غريباً حتى عن نفسه .

مرحلة يشعر فيها أن كل ما منحه للآخرين عاد إليه على هيئة وجع ، وصمت ، وخيبة لا تشبهه .

كنتُ معك شخصاً مختلفاً تماماً… أهدأ مما أنا عليه الآن ، وألين قلباً ، وأكثر صبراً على كل شيء .

كنت أبحث عن راحتك قبل راحتي ، وأخاف على حزنك وكأنه يخصّني أنا ، وأعتبر قربك مسؤولية جميلة لا عبئاً .

لم أكن أراك شخصاً عابراً في حياتي ، بل كنت أراك جزءاً من عمري ، وشيئاً يشبه الأمان الذي لا يتكرر كثيراً .

كنتُ أحاول دائماً أن أكون الحضن وقت ضيقك ، والصوت الهادئ وقت خوفك ، والشخص الذي تستطيع العودة إليه مهما أخطأت أو ابتعدت .

تحمّلت أشياء كثيرة فقط لأنني كنت أحبك بصدق ،

وتجاوزت عن تصرفات كثيرة لأنني كنت أخشى أن أخسرك .

لكنّ الإنسان مهما كان حنوناً… له قلب يتعب ،  وله كرامة تتألم بصمت ، وله لحظة يدرك فيها أن كل هذا الحنان كان يُؤخذ وكأنه حق مكتسب ، لا شعور ثمين يجب الحفاظ عليه.

أكثر ما يؤلم ليس الرحيل نفسه… بل الطريقة التي يرحل بها البعض ، البرود المفاجئ ، والهروب دون مواجهة ، والصمت الذي يأتي بعد سنوات طويلة من القرب ، وكأن كل الذكريات يمكن محوها بضغطة زر.

وكأن العِشرة لا تستحق تفسيراً ، ولا حتى كلمة أخيرة تحفظ بقايا الود .

كنت أظن أن الذي عرف قلبي بهذا القرب ، يستحيل أن يؤذيني بهذه القسوة ، لكنّي اكتشفت أن بعض الناس حين يقررون الرحيل ، يتحولون إلى غرباء بطريقة مخيفة ، لا يلتفتون لوجعك ، ولا لحيرتك ، ولا لكمية الأسئلة التي يتركونها داخلك بلا إجابة .

تدري ما الذي تغيّر فيّ؟

لم أفقد الحنان… أنا فقط تعبت من تقديمه للشخص الخطأ ، تعبت من التبرير ، ومن الانتظار ، ومن محاولة إصلاح شيء كان يُهدم بصمت من الطرف الآخر ، تعبت من دور الإنسان الذي يحتوي الجميع بينما لا يجد من يحتويه حين ينكسر .

لهذا أصبحت أكثر هدوءًا… لكنّه هدوء يشبه الانطفاء ، وأكثر بروداً … لكنّه برود سببه الخيبة لا القسوة الحقيقية ، فأنا لم أتعلم القسوة لأنني أحببتها ، بل لأن قلبي لم يعد يحتمل المزيد من الأذى .

الحنون حين يقسو ، لا يصرخ ولا ينتقم ، بل ينسحب بصمت ، يغلق أبواب قلبه بهدوء، ويتوقف عن المحاولة ، وكأن شيئاً بداخله مات فجأة .

وهذه أخطر مرحلة…لأن الإنسان الطيب حين يصل إليها ، يكون قد استنفد كل مشاعره بالفعل .

ربما لم تدرك حجم الأمان الذي كنت أمنحك إياه ،

ولا كمية الحب التي كانت تُقال لك بالأفعال قبل الكلمات ، لكن الأيام كفيلة بأن تُريك الفرق بين قلبٍ أحبك بصدق،وبين قلوبٍ تمرّ في حياتك مرور الكرام .

فليس كل حنون ضعيف ، وليس كل صامت بلا ألم ،

بعض القلوب تخفي خلف هدوئها وجع عمر كامل ،

وبعض القسوة ليست إلا بقايا إنسان كان طيباً أكثر مما ينبغي .


الخاتمة :

اتّقِ شرّ الحنون إذا قسى… لأنك لن تواجه شخصاً قاسياً بطبعه ، بل ستواجه قلباً امتلأ بالخذلان حتى فاض ، وإنساناً حاول كثيراً أن يبقى كما كان… لكن الألم غلبه في النهاية . 

أقسى الناس ليسوا أولئك الذين وُلدوا بلا رحمة…

بل أولئك الذين كانوا يفيضون حناناً، ثم علّمتهم الخيبة أن القلوب مهما أحبت… قد تتعب إلى الأبد . 


مع السلامة  🌷

💙 دمتم حليمين  بلا قسوة 

ونلتقي دوماً على سطور من صدق وإلهام ✨✍️


🍃 إلى لقاء قريب بإذن الله.

تعليقات

  1. الحقيقه ان الانسان له ضاقه اذا اكتفا فقد الكثير

    ردحذف
  2. فعلا اتقي شر الحنون اذا قسا عنوان جميع ومعبر جدا

    ردحذف

إرسال تعليق

اترك تعليق لو أحببت

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تستهينوا بتعب القلوب

يد أمتدت بالعطاء ولم تُقدَّر

قصة تهز المشاعر