ما تخفيه القلوب ، تُظهره المواقف

ما تخفيه القلوب ، تُظهره المواقف


لم أكن أظن أن الحقيقة يمكن أن تتأخر كل هذا الوقت ، ولا أن القلوب تستطيع أن تُخفي ما فيها بهذه البراعة ، كنت أظن بسذاجة المحب أن طول السنين كفيل بأن يُطمئن القلب ، وأن كثرة المواقف الصغيرة تبني ثقة لا تهزّها لحظة عابرة ، لكن ما لم أكن أراه ، أن بعض القلوب تتقن الإخفاء… وتتقن الخداع أكثر مما تتقن البقاء .

عشت سنواتٍ أقرأه بنيةٍ صافية ، أفسّر صمته تعباً ، وبروده انشغالاً ، وتردده خوفاً من الخسارة ، كنت أبحث له عن الأعذار قبل أن يطلبها ، وأدافع عنه حتى في غيابه ، وأرمّم ما يتصدّع بيننا بصمتٍ يشبه الإخلاص ، لم أكن أجهل الإشارات… لكنني كنت أختار أن أصدّق الصورة التي أحببتها فيه .

ومع الوقت ، بدأت المواقف الصغيرة تهمس بشيءٍ مختلف… نبرة تتغيّر ، حضور يبهت ، اهتمام يتراجع ، لكنني كنت أقول : الظروف ، الضغط، يمر بمرحلة. كنت أؤجل مواجهة الحقيقة لأنني لم أرد أن أصدق أن ما بيننا يمكن أن يكون هشّاً إلى هذا الحد .

حتى جاء موقفه الأخير…


هناك فقط، سقط القناع دفعةً واحدة ،  لم يكن الرحيل هو ما كسرني ، بل الطريقة التي اختارها ! الهروب البارد ، الصمت المريب ، الانسحاب الذي لا يشبه من ادّعى القرب يوماً ، في تلك اللحظة فهمت أن كل ما أخفاه قلبه طوال السنين… فضحته دقيقة واحدة من موقفٍ صادق .

العتب الذي في صدري ليس لأنك رحلت…

بل لأنك بقيت طويلاً وأنت تعرف أنك لا تنوي البقاء.

ليس لأنك تغيّرت… بل لأنك تركتني أُقاتل وحدي في علاقة كنت قد انسحبت منها في داخلك منذ زمن .

الغدر ليس دائماً خيانةً صاخبة ، أحياناً يكون خداعاً هادئاً ، تمثيلاً متقناً ، حضوراً ناقصاً يتخفّى خلف كلماتٍ جميلة ، والغدر الحقيقي… أن تُشعرني بالأمان بينما أنت تُحضّر طريق الخروج .

كنت أستحق وضوحك، لا مراوغتك … 

كنت أستحق صدقك مبكراً ، لا شجاعتك المتأخرة في الهروب .

أتعلم ما يؤلم أكثر؟

أنني حين أراجع السنوات ، أرى كم كنت مخلصاً لما بيننا… وكم كنتَ بارداً تجاهه ، كنت أبني ، وأنت تؤجّل ،  كنت أتمسّك ، وأنت تتخفّف ، كنت أُصلح ، وأنت تترك الشقوق تتسع حتى صار الرحيل أسهل من المواجهة .

ومع ذلك… لا أندم على صدقي ، الندم الوحيد أنني منحت ثقةً صادقة لقلبٍ كان يُخفي نصفه الآخر .

اليوم، وبعد أن هدأت الضوضاء ، فهمت الدرس جيداً : المشاعر يمكن أن تُقال بسهولة… لكن المواقف وحدها تقول الحقيقة كاملة ،  ومن يهرب عند أول اختبار ، لم يكن ثابتاً في العمق مهما أتقن دور الحضور .

اليوم، لا أحمل غضباً بقدر ما أحمل فهماً متأخراً ، فبعض الخسارات ليست خسارات، بل كشفٌ مؤلم كان لا بد منه ، وما ظهر في موقفٍ واحد ، كان يسكن القلب منذ زمن… لكنه كان ينتظر لحظة الصدق الوحيدة ليُعلن نفسه .


الخاتمة:

ما تخفيه القلوب قد يطول صمته ، لكنه لا ينجو من لحظة موقف واحدة ، وأنت… لم تكشفك الأيام بقدر ما كشفك هروبك الأخير .

فبعض الرحيل لا يوجع لأنه فقدٌ… بل لأنه يفضح كم كنا مخدوعين ونحن نظن أننا بأمان . 

تعلمت أخيراً أن القلوب قد تُخفي كثيراً ، لكن المواقف لا تخون حقيقتها أبداً… ومن هرب في اللحظة التي كان يفترض أن يبقى فيها ، لم يكن يوماً ثابتاً كما ظننته . 


مع السلامة  🌷

💙 دمتم مخلصين وقلوبكم صادقة 

ونلتقي دومًا على سطور من صدق وإلهام ✨✍️


🍃 إلى لقاء قريب بإذن الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

النسيان راحة ونعمة

جعلتني وحيداً بدون أحد

قصة تهز المشاعر